بعد فترة طويلة من الاختبارات والتجارب، كشفت شركة أوبرا النرويجية رسميًا عن إطلاق متصفحها الجديد “Neon”، الذي يعد من أوائل المتصفحات التي تعتمد بشكل كامل على الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب تجربة التصفح. ويأتي هذا المتصفح مقابل اشتراك شهري يبلغ 20 دولارًا، وهو ما يعكس الطموح الكبير للشركة في تقديم تجربة جديدة كليًا تتجاوز حدود التصفح التقليدي، وتحوّله إلى منصة ذكية قادرة على فهم المستخدم ودعمه في المهام اليومية بشكل مستمر. وكانت أوبرا قد أعلنت عن Neon لأول مرة في شهر مايو الماضي، قبل أن تطلق نسخة مبكرة منه لمجموعة مختارة من المستخدمين في أكتوبر، الأمر الذي ساعد الشركة على جمع الملاحظات الضرورية قبل الإطلاق الرسمي.
وينافس Neon اليوم موجة جديدة من المتصفحات التي تبني تجربتها بالكامل على قدرات الذكاء الاصطناعي، مثل متصفح Comet من Perplexity، ومتصفح Atlas من OpenAI، ومتصفح Dia، وغيرها من المشاريع التي تعيد تعريف ما يمكن أن يفعله المتصفح. لكن ما يميز Neon أنه لا يعتمد فقط على روبوت محادثة ذكي، بل يدمج الذكاء الاصطناعي في صميم هيكله وطريقة عمله، بحيث تصبح كل صفحة وكل عملية وكل تفاعل جزءًا من منظومة متكاملة تعتمد على فهم سلوك المستخدم وتقديم مساعدات آنية لها سياق مباشر.
ويضع Neon الذكاء الاصطناعي في مركز واجهته من خلال مساعد ذكي مدمج يمكنه التفاعل مع الصفحات مباشرة. هذا المساعد يمكّن المستخدم من طرح الأسئلة حول أي موقع يزوره، واستخلاص المعلومات من مقاطع الفيديو، وإنشاء تطبيقات صغيرة أو مقاطع مصورة، إضافة إلى تنفيذ مجموعة من المهام المختلفة داخل المتصفح نفسه دون الحاجة لفتح برامج خارجية. ويعتمد Neon على سجل التصفح كعنصر أساسي في بناء الفهم السياقي للمستخدم، بحيث يستطيع مثلًا استرجاع معلومات من فيديو شاهده المستخدم على يوتيوب الأسبوع الماضي، أو من منشور قرأه بالأمس، مما يمنحه قدرة على معالجة البيانات بطريقة لا تشبه أي متصفح تقليدي.
كما يقدم المتصفح ميزة مبتكرة تُعرف باسم “الكروت” أو Cards، والتي تمنح المستخدم القدرة على إنشاء مهام قابلة للتكرار وبرمجتها باستخدام أوامر نصية بسيطة. هذه الميزة تحول المتصفح إلى أداة إنتاجية قوية، حيث يستطيع المستخدم أتمتة العديد من المهام التي يقوم بها يوميًا. وإلى جانب ذلك، يوفر Neon ميزة “البحث العميق” التي تستطيع تحليل أي موضوع على الإنترنت وتقديم معلومات موسعة حوله، بطريقة أشبه بخليط بين البحث التقليدي والمساعدات الذكية.
وتعمل أوبرا أيضًا على تنظيم تجربة التصفح من خلال نظام “Tasks”، وهو عبارة عن مساحات عمل متكاملة تجمع بين المحادثات الذكية وعلامات التبويب داخل بيئة واحدة. هذا النظام يساعد المستخدم على إدارة المشاريع المختلفة، سواء كانت بحثًا جامعيًا أو تخطيطًا لسفر أو متابعة مهام العمل، بطريقة منظمة تمنع تشتت الصفحات وتضمن سهولة العودة إليها لاحقًا. ويرى كثيرون أن هذا النظام يمثل خطوة مهمة نحو تحويل المتصفح من مجرد أداة لفتح الروابط إلى منصة حقيقية لإدارة المهام والمعلومات.
ويحصل المشتركون في Neon على وصول مباشر إلى مجموعة من أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، مثل Gemini 3 Pro وGPT-5.1 وVeo 3.1 وNano Banana Pro، وهي نماذج توفر قدرات متقدمة في الفهم والتحليل وإنشاء المحتوى. كما يحصل المشترك على عضوية في مجتمع Discord الخاص بأوبرا، بالإضافة إلى إمكانية التواصل المباشر مع فريق تطوير المتصفح، مما يجعل تجربة المستخدم أكثر تفاعلية ويمنحه فرصة للمساهمة في تحسين المشروع. ورغم أن Neon متصفح مدفوع، إلا أن أوبرا أكدت أن متصفحاتها الأخرى مثل Opera One وOpera GX وOpera Air ستستمر بتقديم مزايا ذكاء اصطناعي مجانية، تشمل مساعد الدردشة الذكي الذي ظهر في إصداراتها السابقة.
من ناحية أخرى، لا تزال الشركات التقنية الكبرى تتحرك بحذر أكبر نحو دمج الذكاء الاصطناعي المتقدم بشكل كامل داخل المتصفحات، بسبب التحديات الأمنية المرتبطة بحصول الذكاء الاصطناعي على صلاحيات أوسع داخل النظام. وكانت جوجل قد أعلنت مؤخرًا عن جهود متقدمة لتقوية الحماية داخل المتصفحات وضمان منع الاستغلال المحتمل للخصائص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يبدو أن أوبرا تسعى لتقديم نموذج جديد، يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر لكنها في الوقت نفسه توفّر آليات أمان متقدمة تتطور مع كل تحديث.
وفي النهاية، يمكن القول إن متصفح Neon يمثل خطوة جريئة في عالم التصفح، إذ يقدم نموذجًا جديدًا يقوم على الدمج الكامل بين الذكاء الاصطناعي وسلوك المستخدم اليومي، مما يحوّل الإنترنت إلى مساحة أكثر ذكاءً وتفاعلًا وتنظيمًا. وإذا تمكنت أوبرا من مواصلة تطويره وضمان استقراره وأمانه، فقد يصبح Neon من أبرز المتصفحات في السنوات المقبلة، خاصةً مع التحول العالمي المتسارع نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل ما يتعلق بالبحث والإنتاجية والتصفح.
