تحذير للآباء: الهواتف الذكية قبل عمر 12 تهدد صحة الأطفال النفسية والجسدية

تحذير للآباء: الهواتف الذكية قبل عمر 12 تهدد صحة الأطفال النفسية والجسدية
في خضم التحول المتسارع الذي يشهده عالمنا، يواجه الآباء معضلة تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ التربية الأبناء. فبينما يتحول الهاتف الذكي من مجرد أداة اتصال إلى بوابة  تصال بالعالم في التفاعل الاجتماعي والتعلم والترفيه، يجد الآباء أنفسهم أمام سؤال مهم: مما هو الوقت المناسب لفتح نقاش مع أطفالهم؟ هذا القرار لا يقتصر على مجرد شراء جهازذكي، بل هو قرار يتعلق بسلامة الطفل النفسية والجسدية والاجتماعية في عالم أصبحت فيه الحدود بين الواقع والافتراضية ضبابية بشكل كبير.
قامت مجلة  بادياتريكس بعدت دراسات في صلب هذا الموضوع وخرجة من خلال هذا بحث معمّق شمل أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة طفل ضمن دراسة تطور الدماغ لدى المراهقين في الولايات المتحدة. تكمن أهمية هذه الدراسة ليس فقط في حجم العينة الكبير، بل في طول مدتها وتركيزها على تتبع النمو الدماغي بشكل مستمر. النتائج التي خلصت إليها مقلق الأطفال الذين حصلوا على هواتف ذكية قبل بلوغهم الثانية عشرة من العمر أكبر عرضة لإصابة بالاكتئاب، وزيادة في الجسم ترتفع حتى سمنة مفرطه، بالإضافة إلى معاناة واضحة من قلة النوم.
هذه النتائج لا تقول إن الهاتف الذكي هو السبب الوحيد المباشر لهذه المشكلات، كما أوضحت الدكتورة جاكلين نيسي من جامعة براون، ولكنها تلفت الانتباه إلى أن إدخال هذا الجهاز في حياة الطفل في مرحلة نمو قد يكون عاملاً مساهماً قوياً في تشكيل بيئة تزيد من احتمالات هذه المخاطر. الفكرة هنا تتعلق بفهم طبيعة مرحلة النمو؛ فالطفل في الحادية عشرة  من عمره يختلف في نضجه العصبي والادراكي والعاطفي عن المراهق في السادسة عشرة الهاتف الذكي، بكل محتوياته ووظائفه واتصاله غير المحدود بالإنترنت، يقدم سلسلة من المثيرات والتحديات التي قد تتجاوز قدرات الطفل الأصغر سناً.
التأثير على النوم بالصحة النفسية والبدنية الطفل
هذه الدراسة تذهب إلى أبعد من مجرد رصد الظواهر فقط، فهي تحاول فهم تأثير الهاتف الذكي على الصحة الشاملة للطفل. التأثير على النوم يعد واحدة من أبرز الاسباب الرئيسية. فالهواتف الذكية لا تقتصر على تشتيت الانتباه قبل النوم فحسب، بل إن الضوء الأزرق المنبعث من شاشاتها يثبط إفراز الميلاتونين، الهرمون المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ. عندما يدخل الهاتف غرفة النوم،  حسب هذه ا الدراسة لدى 63% من الأطفال بين 11 و12 عاماً، فإن احتمالية اضطراب النوم تزيد بشكل كبير. وما يزيد أمر أكثر تعقيدا هو أن 17% من هؤلاء الأطفال يتلقون إشعارات ليلية توقظهم من النوم، مما يحرمهم من النوم العميق الضروري للتجديد الخلوي والنمو الدماغي. هذا الحرمان من النوم له تبعات متتالية. فقلة النوم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض المزاج وزيادة القابلية للتوتر والقلق، مما قد يفسر جزئياً الصلة بين الهواتف المبكرة وظهور أعراض الاكتئاب. كما أن التعب الناتج عن سوء النوم يقلل من دافعية الطفل للحركة والنشاط البدني، مما يساهم في نمط حياة خامل ويرتبط بزيادة الوزن.
التفاعل الاجتماعي والنشاط البدني
بالإضافة إلى النوم، تشير الدراسة قضية التأثير على التفاعل الاجتماعي الحقيقي والنشاط البدني. الهاتف الذكي، برغم كونه أداة للتواصل، قد يحل محل التفاعلات وجهًا لوجه التي تعد ضرورية لنمو المهارات الاجتماعية والعاطفية عند الطفل. فالتواصل عبر الشاشة يفتقر إلى نبرة الصوت ولغة الجسد والتوقيت العاطفي الدقيق الذي يتعلم منه الطفل قراءة المشاعر وبناء التعاطف. كما أن ساعات الجلوس الطويلة أمام الشاشة، سواء للعب أو التصفح أو مشاهدة المقاطع، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة البدنية ومهارات، هنا يجب التأكيد على أن الدراسة لا ترمي إلى إلقاء اللوم على الآباء الذين اتخذوا بالفعل قرار منح الهواتف لأطفالهم في سن مبكرة، وسط ضغوط اجتماعية وتعليمية متزايدة تجعل من الهاتف في بعض الأحيان ضرورة. بل إن الهدف، كما أوضح الدكتور ران بارزيلاي في بحثه، تمكنهم من اتخاذ قرار أكثر وعياً. القرار الفردي للأسرة لا ينفصل عن السياق المجتمعي الأوسع؛ ففي الوقت الذي يبلغ فيه متوسط عمر حصول الطفل الأمريكي على أول هاتف ذكي 11 سنة، ويكتسب امتلاك الهاتف صبغة اجتماعي، يصبح على الأهل مقاومة ما يفرضه سلوك المجتمع.
نحو قرار صحيح للتفكير وليس وتوصيات
هنا يطرح السؤال الحقيقي الذي يفرض عليك ك أب، ما هو الحل الذي تقدمه هذه الدراسة؟ الإجابة لا تكمن في حجم الرقم العينة الكبير، بل في إطار للتفكير يستند إلى مبادئ الحماية المدروسة. النصيحة التي تتفق عليها آراء البحثين لهذه الدارسة هو تأجيل منح الهاتف الذكي لأطول فترة ممكنة لطفل في هذه المرحلة العمري بتحديد. ولكن التأجيل وحده لا يكفي، فالقرار الحقيقي يبدأ من لحظة اقتناء الجهاز. إعطاء طفل، ولو كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، جهازاً متصلاً بالإنترنت دون قيود هو بمثابة باب للعام الويب المخاطر هنا لا تقتصر على المحتوى غير المناسب، بل تشمل أيضاً التنمر الإلكتروني، والإفراط في الاستخدام، وانتهاك الخصوصية.
الدراسة في النهاية تذكرنا بأن تربية الأطفال في هذ الوقت بتحديد مع تطور التكنولوجيا هي مسؤولية مشتركة. فهي ليست عبئاً على عاتق الأسرة وحدها، بل تتطلب وعياً من المدارس في كيفية دمج التكنولوجيا في التعليم دون إضرار.
Monsef Amrhil
Monsef Amrhil
تعليقات